إلى شقوق الجدران وسجون الحرية

الإهداء

إليك .

إلى وجعِ السجونِ .. إلى ...

أنينِ بكائكم عند القبور

إلى الدمع المخثر في العيون

إلى عقواهم . .التي تترقب الأحداث كي تعرف

مصيراً غريباً في جيوب الغيب

أو تسـمع

لهاث الكون في زمن السكون

إلى عبقِ الأمل



لقد تعودت إلى درجة التآلف مع العتمة المغمية ، والرائحة الكريهة ، وجدران الإسمنت الباردة الملطخة بكلمات الأبرياء، في زنزانة المنتظرين حيث حشرت فتره ... بها لم أعد قادرا على تقدير ما مر أو بقي من الزمن .



ليلها دائماً مسترسل ، يذكرني بعيش الكائنات القاطنة بكواكب غير تابعة لنظامنا الشمسي .




نهارها كليلها ووقتها ليل سرمدي بلا انقطاع .

ودعت الشمس وأنوارها لما عصب جلادي عيني وكتم أنفاسي وساقني إلى المجهول . تساءلت مرارا عما اقترفت من جرم ، فلم أعثر على جواب .









ربما حدثت نفسي يوما همسا عن وطأة المعاناة ، أو حاولت النظر شذرا أو تحريك القلم تعبيرا عن موقف قد يصنف ضمن قانون لست أدري .



حرمت من الضوء والهواء والفضاء الشاسع ، فاستعضت عنها برحابة صدري واطمئنان نفسي ويقين معتقدي . لم يعد هناك فرق بين أن أجوب مسالك وأزقة مدينتي أو أن أتجول داخل زنزانتي ، أصغي إلى زقزقة الطيور الأسيرة فوق أبراجها ، وأستمتع بخرير الجداول المحملة بسيول الحقد المسفوح ، وأتأمل وردا متفتحا ذا لون قاني متموج ، وتنبعث منه رائحة كريهة مقززة .




عز علي بعدي عن قرطاسي وقلمي . تراكمت أمامي الأحداث فشرعت في تدوين مذكراتي بحلمة السبابة على حائط زنزانتي . ارتسمت كلها نقوشا محفورة في ذاكرتي ، تستعصي على المحو أو النسيان . الوقت ينساب ببطء شديد ، تكسر تموجاته الهادئة إطلالة السجان من كوة المراقبة ، لإلقاء قطعة خبز محشوة بقليل من العدس أو الحمص، وأحيانا تصحبها علبة صغيرة من العصير . إنها الوجبة اليتيمة في اليوم .قد كنت أرتقب انغلاق كتابي و بدا كأن السجن آخر منـزلً لي , الصمت يرهقني، و فكري تائه و أنا الذي بالمساجين أكسر حرقتي وحدي، بينما أبرد لهفتي فـتـح السجان باب الهواء مثل صحيفة و بدت من الأفقِ البعيد سحابة... أسحابة هذي !! أَم اني واهم أسحابة هذي ؟ لم أنس منظرها، أم أنني وهم تشتت فكره أم أن عزرائيلَ جاء مبلغاً أدركت لحظـتَـها بأني و الهوى فذكرت قلبي و هو عرق منقطع ها إنا متوسد قلب الـنوى أنا لا أخاف الموت، إني مؤمن لما فقدت إلى الحياةِ إيابي دون التحاقي عالم الأذناب و الليل هذا متأهب لعتابي وحدي هنا المنفي عن أصحابي لوحدي أندب في الخفاءِ مصابي و الذكريات . . و يفيض دمعي مغرِقاً أهدابي و فتبددت الجدران كسرابِ و تقدمت حتى فقدت صوابي فهل تبدل شكلُها بغيابي ما كل أبيض سابحٍ في سماء هو سحاب أم أنه ابتدأت فصول عذابي خجِلاً بأني حان وقت ذهابي و الشعر مندثر تحت تراب و في عيني دمع خابيا و البأس من حولي بغير حساب .