هذا ما يخططه العالم لنا ، فماذا نخطط نحن لأنفسنا ؟



بسم الله الرحمن الرحيم


هذا ما يخططه العالم لنا ، فماذا نخطط نحن لأنفسنا ؟


مجتمع الخُمس ( عنوان فرعي )

و لكي ندرك البعد العالمي العولمي فيما يعانيه شبابنا ، و كثير من شباب البلدان الفقيرة ــ من إهدار ، علينا أن نعود إلى أكثر من عقد كامل إلى الوراء ، ففي سبتمبر 1995 م اجتمع في فندق فيرمونت ، بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية حشد من قادة الفكر و السياسة في العالم ، لمناقشة موضوع (( مستقبل العمل في العالم )) و حمل هذا الحشد من القادة اسما ً براقا ً هو تكتل (( تكتل الأدمغة )) Brain trust ، و كان هذا التكتل بدعوة من زعيم الاتحاد السوفييتي المنهار ، صاحب شعار البيريسترويكا و الجلاسنوست أي إعادة البناء و الشفافية ، ميخائيل جورباتشوف . و الأمر برمته يدعو إلى التعجب ، لكن مسار المناقشات كان مدهشا ً بينما المجتمعون يرسمون مخططات عامة لنظام اجتماعي جديد ، و بدا أن كل الحاضرين قد أجمعوا على أن مجتمع القرن الحادي و العشرين المزود بالتقنيات المتقدمة و الاستثمارات الجبارة المعتمدة على أقل عدد من العمالة فائقة المهارة و التدريب ، سينال فرصة العمل فيه فقط 20 % من المجموع العام ، أما البقية 80 % فسيتوقف حظهم عند البقاء في حالة أشبه بالتنويم المغناطيسي أو الغشية أو التخدير ، ينالون الحد الأدنى لمواصلة الحياة مع جرعة كبيرة من التسلية ! و لقد دشن (( زبيجينيو بريجنسكي )) مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق على زمن الرئيس الأمريكي كارتر ، هذه الحالة من الغشية أو الحذر أو التنويم بمصطلح يمكن ترجمته بـ (( رضاعة التسلية )) Tittytainment ، فالمصطلح مكون من دمج كلمتين : كلمة Tit التي تعني حلمة الثدي و تشير إلى الرضاعة ، و كلمة التسلية و الترفيه Entertainment .
كانت هذه الرؤية المستقبلية ، أو السيناريو المرسوم ، أو النبوءة العلمية تقوم بتحديد معالم الطريق إلى القرن الحادي و العشرين ، و لقد رأت أن الطاقة البشرية القادرة على العمل ستتوزع مستقبلا ً ما بين 20 % يعملون و 80 % عاطلين عن العمل . و لقد خبراء عدد من الشركات العملاقة أن خُمس قوة العمل الحالية سيكفي لسد احتياجات الخدمات رفيعة القيمة التي تحتاج إليها العولمة ، و هو ما أطلق عليه بعضهم تسمية ( مجتمع الخُمس ) . أي أن خُمس الطاقة البشرية سيعمل و يحصل على كفايته ، بينما لا تحصل الأخماس الأربعة الباقية إلا على الفتات ، و أكثر هذا الفتات هو (( رضاعة التسلية )) على حد تعبير بريجنسكي .
و بعد مضي أحد عشر عاما ً على اجتماع (( تكتل الأدمغة )) في فندق فيرمونت ، يتضح لنا بشكل مذهل أن العالم قد يكون في طريقه فعليا ً إلى مجتمع الخُمس هذا ، و في هذا المجتمع الذي يعيش أربعة أخماسه مخدرين على فتات الطعام و المأوى ووفرة التسلية ، سيكون الشباب هم أول الضحايا ، و لأنهم أغلبية في مجتمعاتنا العربية ، فإنهم سيكونون أغلبية أيضا ً في كتلة المخدرين ، و هو أمر تنفر منه طبيعتنا العربية و ثقافتنا الروحية التي تعتبر العمل حقا ً ليس فقط من حقوق الإنسان بالمعايير الدولية ، بل واجبا ً دينيا ً لإعمار الأرض و تشريف الحياة .

إستراتيجية الإلهاء ( عنوان فرعي )

لا أظن أن حالة الإلهاء التي تستغرق شباب الأمة ، في المجمل ، هي وليدة تخطيط و تدبير واع من متعهديها العرب ، فحتى في أمور التخريب لا يمكن أن نجزم بوجود تخطيط و لا تكتيك و لا استراتيجية كما في الكثير من أمور حياتنا ، بل هي الفوضى و الغريزة ، فوضى الاندفاع و غريزة الربح بأي ثمن ، ضمن نمط أخلاقي غريب على ثقافتنا و قيمنا ، و هو اندفاع تؤكده موجة انتشار و تكاثر القنوات الفضائية التجارية ذات التوجهات الترفيهية المبتذلة في الكثير منها ، و التي فرضت معاييرها و توجهاتها على بقية المحطات التقليدية ، نظرا ً لجاذبيتها المخاطبة للغرائز و الميل البشري للخفة و التسلية ............ في كل هذه الحالات يدفع الشباب للإبقاء على مستوى الرغبة و المتعة و الإثارة ، و تقوم محاولة إبعاده عن عالم الأفكار و التساؤل عن مشروعية الهدر الذي يطاله......
و لعل النموذج القريب في إطار هذا الإلهاء هو ما حدث من إساءة استخدام لرياضة جماهيرية محبوبة هي كرة القدم ، فقد تحولت إلى مشروع تجاري كوني ذي رقم بلاييني يكاد ينافس تجارة النفط و الصناعات العسكرية ، .....................و بات واضحا ً أن التقاتل للفوز بمتابعة مباريات هذا المونديال في بعض البلاد العربية ، هو دليل على إدمان من نوع جديد ، يعوض الشعور بنقص الوجود الحقيقي و الفعالية المجتمعية و النجاح الهادف بتلك الأهداف التي يسددها في مرمى بعيد ، لاعب من فئة النجوم يقدم نجاحا ً بديلا ً للشباب المحبط الذي يتقاعد عن ممارسة أي رياضة حتى لو كانت رياضة المشي !
و على خطا إستراتيجية الإلهاء و الهدر نفسها تسير برامج صناعة النجومية السريعة بين الشباب التي صارت حديث الساعة في الصحافة ، و تتبارى بعض الفضائيات في إخراجها محليا ً ، بعد أن تستوردها من الغرب ، حرفيا ً ، ............. و تذكر التقارير أن أحد هذه البرامج استطاع استقطاب مائة مليون رسالة تصويت SMS لهذا النجم أو ذاك ، لإبقائه في المباراة أو خروجه منها ، و هو ما أصبح يدر ذهبا ً خالصا ً على هذه القنوات ، بشكل يتجاوز حتى الدخل من الإعلانات .